الشيخ عباس القمي

169

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار

وانصرف من غزاته فنزل على عين البديدون المعروفة بالقشيرة فأقام هنالك ، فوقف على العين فأعجبه برد مائها وصفاؤه وبياضه ، وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة ، فأمر بقطع خشب طوال ، فبسط على العين كالجسر ، وجعل فوقه كالأزج « 1 » من الخشب وورق الشجر ، وجلس تحت الكنيسة التي قد عقدت له والماء تحته ، وطرح في الماء درهم صحيح فقرأ كتابته وهو في قرار الماء لصفاء الماء ، ولم يقدر أحد يدخل يده في الماء من شدّة برده ، فبينا هو كذلك إذ لاحت سمكّة نحو الذراع كأنها سبيكة فضّة ، فجعل لمن يخرجها سيفا ، فبدر بعض الفرّاشين فأخذها وصعد ، فلما صارت على حرف العين أو على الخشب الذي عليه المأمون اضطربت وأفلتت من يد الفرّاش فوقعت في الماء كالحجر ، فنضح من الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته فبلّت ثوبه ، ثمّ انحدر الفرّاش ثانية فأخذها ووضعها بين يدي المأمون في منديل تضطرب ، فقال المأمون : تقلى الساعة ، ثمّ أخذته رعدة من ساعته فلم يقدر يتحرّك من مكانه ، فغطي باللحف والدواويج « 2 » وهو يرتعد كالسعفة ويصيح : البرد البرد ، ثمّ حوّل إلى المغرب ودثّر وأوقد النيران حوله وهو يصيح : البرد البرد ، ثمّ أتي بالسمكّة وقد فرغ من قليها فلم يقدر على الذوق منها ، وشغله ما هو فيه عن تناول شيء منها ، ولما اشتدّ به الأمر سأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه في ذلك الوقت عن المأمون وهو في سكرات الموت ما الذي يدلّ عليه علم الطبّ من أمره ، وهل يمكن برؤه وشفاؤه ، فتقدم ابن ماسويه وأخذ احدى يديه ، وبختيشوع الأخرى ، وأخذا المجسّة « 3 » من كلتا يديه فوجدا نبضه خارجا عن الإعتدال ، منذرا بالفناء والانحلال ، والتزقت أيديهما ببشرته لعرق كان يظهر من سائر جسده كالزيت أو كلعاب بعض الأفاعي ،

--> ( 1 ) الأزج : بناء مستطيل مقوس السقف . ( 2 ) الدواج : اللحاف . ( 3 ) المجسّة : موضع الجسّ من يد المريض .